عمر بن سهلان الساوي

393

البصائر النصيرية في علم المنطق

وهاهنا شك وهو : أن المعدوم المحال الوجود كيف يتصوّر حتى يعلم بعد ذلك عدمه ، فان التصوّر هو ارتسام صورة في الذهن مطابقة للوجود ، وما لا صورة له في الوجود كيف يحصل مثال صورته في الذهن . وحلّه أن المحال اما أن يكون معدوما لا تركيب فيه ولا تفصيل فتصوّره يكون بمقايسته بالموجود كالخلاء وضدّ اللّه ، فان الخلاء يتصوّر بأنه للأجسام كالقابل « 1 » ، وضد اللّه يفهم بأنه للّه كما للحار البارد فقد تصوّر بتصوّر أمر ممكن قيس هو به وأما في ذاته فلا يكون متصوّرا ولا معقولا إذ لا ذات له . وأما الّذي فيه تركيب ما وتفصيل مثل العنقاء وانسان يطير فإنما تتصوّر أوّلا تفاصيله التي هي غير محالة ، ثم يتصوّر لتلك التفاصيل اقتران على سبيل الاقتران الموجود في تفاصيل الأشياء الموجودة المركبة الذوات ، فيكون هناك أشياء ثلاثة ، اثنان منها جزءان كل واحد بانفراده موجود والثالث تأليف بينهما ، وهو من جهة ما هو تأليف متصوّر بسبب أن التأليف من جهة ما هو تأليف من جملة ما يوجد ، فعلى هذا النحو تعطى معنى دلالة اسم المعدوم ويحصل تصوّره . وكل مطلب من هذه فإنما يتوصل إليه بأمور موجودة حاصلة ، حتى أن تصوّر المعدوم أيضا حصل بتصوّر مقوّم لأمور موجودة ، فهذا تمام المقدمة .

--> ( 1 ) - كالقابل ، فان الذهن يتصور الخلاء امتدادا ملأته الأجسام أو اتحد بامتدادها فهو بمنزلة القابل لها وقوله كما للحار البارد أي كما يكون البارد بالنسبة للحار من حيث إن كلا منهما ضدا للآخر والتأليف في كما للحار البارد غير معروف وما فيه مصدرية أي ككون البارد للحار .